الصفحة الرئيسية راديو بيت العرب منتديات بيت العرب خدمات عامه أحوال الطقس محركات البحث للاعلان لدينا للاتصال بنا

سلام 

من أجل استخدامات أخرى، انظر سلام (توضيح).

السـلام حالة الهدوء والسكينة وغيبة القلاقل. في السياسة العالمية، يستخدم مصطلح السلام كمعاكس للحرب وأعمال العنف. ووجود السلام لا يعني بالضرورة وجود الانسجام التام بين الشعوب المختلفة أو طبقات المجتمع المتباينة أو الدول المتنافسة فحتى في وقت السلم يدخل الناس في الصراعات كالحملات الانتخابية والسجالات والحوارات وغيرها. ومما يتبين من التاريخ جنوح الغالبية إلى صنع السلام ومحاولة إحلاله والسلام لا يشعر به الا من عاش ويلات الحرب . [1]

أيضا تستخدم كلمة السلام بالعربية بمعنى التحية.


السـلام حالة الهدوء والسكينة وغيبة القلاقل. في السياسة العالمية، يستخدم مصطلح السلام كمعاكس للحرب وأعمال العنف. ووجود السلام لا يعني بالضرورة وجود الانسجام التام بين الشعوب المختلفة أو طبقات المجتمع المتباينة أو الدول المتنافسة فحتى في وقت السلم يدخل الناس في الصراعات كالحملات الانتخابية والسجالات والحوارات وغيرها. ومما يتبين من التاريخ جنوح الغالبية إلى صنع السلام ومحاولة إحلاله والسلام لا يشعر به الا من عاش ويلات الحرب أيضا تستخدم كلمة السلام بالعربية بمعنى التحية.

إن لمفهومي الحرب، والسلم، مضامين، مختلفة، ومتعددة ومن الصعوبة بمكان ضبط تعريف دقيق لهذين المفهومين، ولذلك نستبعد في محاولة تعريفنا لهذين المفهومين، التصورات المعروضة في السياسة الدولية، لأن ما هو حرب عند هذا هو سلم عند ذاك، وما هو سلم عند هؤلاء هو عنف عند أولئك ولضبط هذين المفهومين، سنسعى إلى تحديدهما اعتمادا على تحديد الجزانب السيكولوجية للفرد المجرد الذي يعيش الحرب، ويفتقد السلم أو العكس، دون أن نحدد وجود هذا الفرد في المكان، والزمان لأن هذا التحديد لا يخلو من اعتبارات ذاتية تجعل التعريف فاقدا لكل شروطه وضوابطه المنطقية• كل أمة أو مجتمع أو ثقافة، تتضمن قسطا من النرجسية والأوهام والأحكام المسبقة المتعلقة بالآخر، وفي كل ثقافة هناك رفض ومقاومة لكل شكل من أشكال النقد الذاتي، أي مراقبة الذات ومحاسبتها فالآخر هو دائما شر، وعدو، وفي ظل هذا الإحتقان يتعطل كل تفاهم ويفشل كل حوار، لأن أدوات الحوار والتفاهم وآليات التقارب غير قائمة بين الأطراف، وبذلك يحل محل الحوار والتفاهم، الاقصاء وإلغاء الآخر• سواء على مستوى تقرير الحقوق، أو على مستوى، فضاء الوجود• وبذلك يتأسس منطق القوة في حل الخلافات والصراعات، وتفرض الهيمنة على الآخر وتصبح هذه الأخيرو الغاية التي تسعى إليها الأمم في إثبات وجودها وتصبح السيطرة على الآخر حقا مكتسبا تجب عملية تكريسه• لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: هل استخدام القوة في فرض الأفكار والإيدولوجيات والثقافات منطق سليم ؟

يبدو لبعض المفكرين والفلاسفة، أن لهذا الصراع القائم على القوة وفرض السيطرة على الآخر جانب إيجابي، يتمثل في تطور الصناعات ووسائل الحرب والتنافس في إنتاج كل أشكال العمل الحربي من فنون وعلوم، وتقنيات واستراتيجيات، تنمي قدرات الإنسان، وتفتح له مجال اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها، فالحضارة البشرية تطورت بفعل انجازات الإنسان بدافع النزاع والصراع والتدافع وليس عن طريق الإنسجام والتعاون والتآخي•

كما أن لهذا الصراع بعض الجوانب الإيجابية المرتبطة بالقيم الأخلاقية• فالصراع، ومن ثمة الحرب، يفرزان الكثير من القيم، التي لولا هذه الحروب والصراعات ما تمكن الإنسان من تقدير قيمتها وترتيبها في سلم القيم و من ثمة العمل بها مثل قيم : التضحية في سبيل الأفكار والمعتقدات، أو التضحية في سبيل الوطن، وقيم الشجاعة والبطولة ونكران الذات• فالصراع مفيد في اختبار قيم الشعب، واختبار مدى استماتة الأفراد وتعلقهم بوطنهم، أو عقيدتهم، وبالتالي ينبغي ألا ننظر إلى الحروب والصراعات على أنها دائما شر، وسلب وعلى هذا الأساس يذهب هيغل * إلى أن الحرب نشاط عيني للروح وتحقق فعلي لها• ومن هنا راح هيغل يعطي للحرب تفسيرا عقليا بكل ما يحمله البعد الفلسفي من معاني• أما ماهو سلبي في الصراعات والحروب من الجانب الإجتماعي والسياسي، فبغض النظر عن المآسي، والدمار الذي تتركه الحروب وبغض النظر، عن عدد الضحايا الذي تفرزه هذه الحالة، وبغض النظر عن كل الخسائر المرتبطة بتدمير المؤسسات، وهياكل المجتمعات، وفضاءات الأفراد، وهدر الطاقات المادية والبشرية، بغض النظر عن الفوضى والتخلف الذي يترتب على كل هذا، فإن ما هو سلبي في هذه الصراعات• ذلك الجانب السيكولوجي الذي نعثر فيه على المعطيات التي تسمح لنا بناء تفسير عقلاني للظاهرة وتتيح لنا إمكانية اكتشاف تناقضات الذات العاقلة، التي تعتقد أنها تفرض قوتها العاقلة في عملية الصراع• ظاهرة الحرب على المستوى السيكولوجي تعني : حالة إنفعالية تعيشها الشعوب والأمم والأفراد، سواء الذين فرضت عليهم الحرب، أو التي بادرت بها• والإنفعال حالة نفسية، تضعف فيها القدرات العقلية• ويحل محلها الأهواء، العواطف، الغريزة، التوتر، الهيجان، الغباء ••• إلخ• لأن الإنسان المنفعل عندما يصير خاضعا لأهوائه الإنفعالية، يصبح منفصلا عن ذاته وغريبا عنها• ففي الوقت الذي يتهيأ له أنه يملك قدرات هائلة، على الفعل والتأثير، في هذا الوقت يكون دمية في يد غيره أو دمية في يد الإنفعال الذي يحوله إلى أداة دمار يدمر نفسه بتدمير الغير• فالمنتصر في كل أشكال الحروب والصراعات، هو منتصر على غيره ولكنه خاسر أمام نفسه، لأنه يشعر دائما بالتوتر والخوف من الإنتقام، انتقال الآخر الذي فاز عليه هو بالأمس وبالتالي يفقد الشعور بالأمن والراحة، والطمأنينة وهي خصائص الإنسان وليس الحيوان• إن الحرب إنفعال، والمبادرون بها منفعلون والمنفعل، وبسبب هذه الطبيعة الإنفعالية، التي تلغي العقل، يعيش وضعا إغترابيا فهو في صراع دائم مع الآخر، ومع نفسه، ومن ثمة لا يدرك أن للحياة لونا آخر، وشكل أخر، يمكن أن تعاش بنمط آخر، تتحقق فيه راحة وسعادة ولذة، •• ذوات مدة وشدة وخصوبة حسب تعبير" أبيقور"• إن المنفعل لا يستطيع أن يدرك أن العلاقات بينه وبين غيره، وبينه وبين نفسه، يمكن أن تقام على قواعد أخرى مغايرة لطبيعة الحياة الإنفعالية، ومخالفة لهذا التلذذ الموهوم• ومن ثمة فالمنفعل لا يدرك أن لذة السلم أقوى وأشد وأكثر ديمومة، من لذة الإنتصار في الحروب• المنفعل يعيش حالة استنفار وتوتر ومواجهة ضد الآخرين وضد نفسه، والذي يعيش وضعا كهذا لا يستطيع التمييز، بين الخطأ والصواب، وبالتالي لا يفرق بين ما هو صالح لوجوده، وبين ما هو شديد الضرر بهذا الوجود فهو يخلط بين صلاحه وضياعه، ومن ثمة فوسيلته الوحيدة في علاقته بالآخر هي العنف• العنف هو إقصاء للأخر، وهذا الإقصاء يتجسد في ذلك الشعور بالبغض والكره الذي يؤول في الأخير إلى الحرب •• حرب الآخر ومقاتلته لا لسبب إلا لأنه رفض تقبل أفكاري ورفض عقائدي ورفض الذوبان في ثقافتي، وطالب باحترام هويته، وخصوصياته الثقافية والفكرية• هذا التصور مثلما نجده في الثقافة الغربية التي تعادي الآخر وتحتقره، وتسلبه حقوقه، وتستغل ثرواته، فإننا نجده كذلك في بعض جوانب الثقافة* الإسلامية فيالماضي والحاضر•

ففي ماضي الثقافة الإسلامية، نجد أن العالم ينشطر إلى قسمين : أ- " دار الحرب "• ب- " دار الإسلام " • دار الإسلام هي الأقاليم التي يقبل أهله الإسلام دون شرط أو قيد، والذي تعلو فيه كلمة الدين الحنيف . ويفهم من هذا أن دار الإسلام هي الدار التي تقع تحت يد المسلمين، سواء الأقاليم التي أحياها المسملون، أو التي أسلم عليها أهلها أو التي أحرزها القائمون بالفتح وتوزعت عليهم• أما " دار الحرب " فهي الدار التي تم القبول بوجودها، تحت ضغط الواقع إذ ظلت دائما فاقدة لأية شرعية، وتعتبر هذه الدار شاملة لكل الأقاليم المتعذرة تطبيق أحكام الإسلام الدينية، ولتواجدها خارج نطاق السيادة الإسلامية• أما في حاضر الثقافة الإسلامية فإننا نجد أن المفهومين تغيرا لكن احتفظا بمضمونها وبمدلولهما• فبدل دار الإسلام يستخدم " حزب الإسلام " وبدل دار الحرب يستخدم " الحزب المعارض "، وفي هذا يقول أبو الأعلى المودودي :>••• إن الإسلام حزب ••• يملك مبادئ وأصول يذب عنها ويستميت في الدفاع عنها• كذلك لايحمل على " دار الحزب " الذي يعارضه، ويناقضه، وإنما يحمل ويصول على المبادئ التي يتمسك بها ••••<• ومن هنا يتبلور مفهوم الجهاد في الفقه المعاصر• إن مفاهيم " دار الحرب " ودار الإسلام " قد لاقت أصداءها بشكل أو بآخر في هذا الفقه، وهناك استلهام ضمني للتصنيف الثنائي للكون، الذي تبناه التصور الإسلامي للعالم • وتصبح بذلك مجابهة الغير، وصراعه وقتاله، ضرورة دينية تفرضها الثقافة الإسلامية في فقهها القديم والحديث• لكن هذا الغير وهذا الآخر الذي يجب أن يقاتل بإستماتة من هو؟ وما هي حدود قتاله؟ إن الجهاد في الثقافة الإسلامية يكون ضد الكفر أي أولائك الذين يكفرون بالله، ويشركون به، ويرفضون التفكير بمبادئ وقيم الثقافة الإسلامية، فهؤلاء هم أمام إختيارين: إما أن يقبلوا الإسلام، وإما أن يواجهوا القتال، ويعتمد أنصار هذا التصور في الثقافة الإسلامية على النصوص التالية : > فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم<• > يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذي يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غضاضة< كما يعتمدون على الحديث النبوي > أمرت بمقاتلة المشركين إلى أن يقولوا نشهد أن لا إله إلا الله < • ثم تطورت مفاهيم الجهاد وأخذت أبعادا أخرى، وانتقل أنصار هذا التصور، من جهاد الكفار إلى " جهاد " كل من يعارض هذا الخطاب مهما كان انتماؤه ومهما كانت عقيدته ومهما كان مذهبه• هذه حال ومقولات الثقافة الإسلامية، فما هو حال ومقولات الثقافة الغربية*؟ تقوم الاستراتيجية الغربية على مبدأ أساسي هو : إثبات وجود قوة الذات لا يكون إلا إذا تم إضعاف الآخر• لذلك فالثقافة الغربية ممثلة في أعلى صورها في الاستراتيجية الأمريكية تبحث دائما عن عدو فعندما انسحب العدو (المعسكر الشرقي) وأصبح حليفا وجزء وتابعا، كان لزاما عليها البحث عن عدو جديد يواجهه ويجابهه، لأن " أنا" الثقافة الغربية الأمريكية لا يتعرف على نفسه إلا من خلال " آخر "، يسحقه ويتلذذ بالإنتصار عليه• الإستراتيجية الأمريكية تلاعب شطرنج لا يستطيع اللعب وحده• فمن هذا العدو الذي تبحث عنه أمريكا، لتثبت قوتها وسيطرتها؟• بعض الإجابة نجدها في كتاب للرئيس الأمريكي رتشارد نكسون صدر سنة 1992 بعنوان > إقتناص اللحظة < يقول في أحد فصوله > ••• إن الإسلام سوف يصبح قوة جيوسياسية متعصبة، فمن خلال نمو سكانه، ومن خلال تبوئه مركزا ماليا مهما، سيفرض تحديا رئيسيا* يحتم على الغرب التصدي لهذا العالم المعادي والعدواني ••• < ويقول كذلك في ص 205 من الكتاب نفسه > للتأثير على التطور التاريخي في العالم الإسلامي ينبغي عدم صياغة استراتيجية تطبق سياسة واحدة في كل الدول الإسلامية وإنما علينا اختيار نقاط مفصلية من أجل وجودنا<• وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي السابق يطالب بضرورة مساعدة بعض الأنظمة الإسلامية يذكر منها تركيا وماليزيا، ومصر وباكستان، وينادي بضرورة الأخذ بيدها من أجل الخروج من التخلف، إلا أنه مع ذلك لا يخف استراتيجيته القائمة على : العمل على قطع الطريق أمام أي انفلات اسلامي من قبضة الهيمنة الأمريكية• فالمساعدات التي يقترحها لا تزيد عن كونها عملية احتواء وتبيعية وذوبان في الإيديولوجية الغربية والعمل بمفاهيمها• التصور نفسه نجده عند الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حيث قال في سنة 1990 عند حرب الخليج الأولى، وكرر، بوش الأبن، الكلام نفسه في حرب الخليج الثانية قال كلمته الموجهة إلى جنوده الذين كان يرسلهم للقتال في الخليج قال : > إن أنظار العالم تتجه إليكم، وآمال ودعوات وصلوات كل المحبين للحرية والسلم تصاحبكم، ودعونا نسأل الله بركته ونصرته لهذا العمل الإنساني النبيل الذي تقومون به•••< ، ماهو مفهوم السلم والحرية في الثقافة الأمريكية ؟ ومن هو العدو الذي يهدد السلم والحرية؟• الإجابة نجدها في كتاب " صراع الحضارات " لصالحبه " هنتيغتون " الذي يبرر هجمات الغرب لباقي العالم ويعتبرها هجمات ضرورية تمليها التحديات التي تفرضها الايديولوجيات القادمة من الجنوب والتي تشكل خطرا حقيقيا > للأمن والسلام في العالم<• فالعالم اليوم يصنف كالآتي : مركز وأطراف المركز هو الغرب، والأطراف باقي العالم، الذي يتحرك ضمن نمط من العلاقات التي يحركها وينسجها المركز في المقام الأول• وفي اعتقاد " هنتيغتون " أن الخطر الذي يهدد الغرب ويضرب هويته، ويزعزع اديولوجيته، وانسجامها، هو الإسلام القادم من هجرة الجنوب إلى الشمال، هذا الجنوب (الإسلام) الذي تغلغل داخل البناء الاجتماعي الغربي وأصبح جزء كبيرا داخل نسيجه الاجتماعي والاقتصادي ومن ثمة أصبح كتلة لها وزنها وثقلها وفي الوقت الذي يتغلغل الوجود الاسلامي داخل الرغب في الوقت الذي يعادي هذا الغرب ويسعى إلى إلغائه في عقر داره، وذلك بحكم رفض الإسلام لمقولات الغرب مثل الحرية وحقوق الإنسان، والديمقراطية، واللائكية• وبذلك فالإسلام ، مرشح للتصادم مع الغرب، ومن هنا فهو العدو الحقيقي الذي يجب أن يحارب، ويقاتل ويضرب في أي مكان من العالم، لأنه يهدد " أمن وسلامة العالم "، ومن هنا تأتي مشروعية الحرب على الإسلام في نظر "هنتيغتون" وفي نظر الغرب عموما• من خلال العرض السابق، لطبيعة الثقافتين : الإسلامية والغربية، واحتوائهما لعداء الآخر، ورفضه، تتبين لنا طبيعة الصراع الدائر في هذا العالم البشري وتتبين لنا صعوبة، إن لم نقل استحالة، إحلال السلام في هذا العالم، فهذه الصعوبة نابعة كما بينا سابقا، من الحقد الدنين للآخر، في الثقافتين• فالثقافة الإسلامية نحركها تصورات معينة لطبيعة العالم، ولطبيعة العلاقات بين المجتمعات هذه تصورات هي : عقيدتنا هي العقيدة الصحيحة وغيرها محرف، وما يجب أن يكون عليه العالم هو ما عندنا من عقائد، وأفكار، ومفاهيم، ونظم، وتصورات، تشكل مضمون الرسالة التي نبلغها للعالم، هذا العالم الذي يعارضنا، هو عالم كافر، يجب أن نبلغ له رسالتنا، وإن رفض يقاتل ويستباح دمه، ومن ثمة فالعنف حتمية، تمليها ضرورة نشر العقيدة الإسلامية وإعلاء كلمة الله في الأرض، وهو عمل جهادي يثاب عليه في الدنيا والأخرة، الملحدون واليهود والنصارى كفرة يجب رفض إقامة أي حوار معهم حتى لا يسقط حق قتالهم• أما الثقافة الغربية، ورغم إدعائها بقيم الحرية والديمقراطية، فإنها لا تخفي حقدها وكرهها للآخر الذي تعتبره متوحشا وعدوانيا وتعتقد أن الشعوب المتوحشة، يجب أن ننقذها من التوحش، والتخلف ، وننقلها إلى عالم التمدن، وهذا لا يتم إلا بدخول أراضيها (الإستعمار)، وهذا الإستعمار هو رسالة حضارية للشعوب المتخلفة الهمجية التي تعيش في عالم الظلمات وغير قادرة بمفردها إدراك قيم الحرية والديمقراطية• هكذا نظر فلاسفة عصر الأنوار للرسالة الحضارية التي أرادت أوروبا آنذاك أن تبلغها إلى بقية شعوب العالم، وحاضر هذه الثقافة يقول : الإسلام شر، ومحاربته حتمية تمليها ضرورة نشر الديمقراطية والحرية، وحقوق الإنسان• نستنتج، في آخر هذه المقارنة، أن الثقافتين مبنيتان على

1- الحقد على الآخر وكرهه• 

2- اعتقاد كل ثقافة أنها تملك الحقيقة المطلقة، وهي مكلفة من " السماء " بتبليغ ما لديها من تصورات ومفاهيم•

3- توسيع مجال السيطرة و النفوذ بالغزو والإكراه•
4- الاستهتار بالحياة الإنسانية، واعتبارها موهوبة في الأصل لإزهاقها بأسرع وقت ممكن•
 5- تصدير الثقافة المحلية، إلى العالم الخارجي، بالقوة

• 6- استخدام المقولات الإيديولوجية، وتحويلها إلى أداة صراع، ومن ثمة تحويل القوة إلى حق•

هذا التصور الموجود في الثقافتين، جعل السياسة في المجتمع الدولي تتميز بالتوتر والاحتقان وأصبحت ثروات الشعوب تخصص لمواجهة " العدو "• وحرم بذلك الأفراد من حقوقهم، الطبيعية والاجتماعية، باسم مكافحة " العدو " ، كما أضحت السياسة في المجتمع الدولي، عرض أن تجعل الناس في مستوى إدراكهم لمصالحهم، وضرورة ابتعادهم عن كل ما قد يسبب ضياعهم، ويتلف مصالحهم، ويعبث بمصائهم، عوض هذا، جعلتهم ينغمسون في قصور كبير يمنعهم من إدراك حقيقة أوضاعهم، وكرست بذلك الضعف المركب، والعجز المزدوج، في إدراك حقيقة الأمور• هذا التوتر والاحتقان، في السياسة الدولية، جعل الدولة تبتعد عن مهامها الحقيقية التي قال عنها اسبينوزا : > •• ما يبرر وجود الدولة، هو قدرتها على تحرير الناس من القصور ودفعهم نحو الإدراك السليم، وعندما تحقق الدولة، هذا الهدف تكون قد بلغت غايتها القصوى وهي الحرية••• <• إن غياب مفهوم الدولة كما يعرضه اسبينوزا، جعل المجتمع الدولي في قبضة مجموعة من الأفراد حولته إلى حرب الكل ضد الكل، فغاب السلم• هذه السلم التي ينادي به الجميع ويرفع شعارها كل الدول، لا يمكن أن ندرك حقيقتها إذ لم نستنطق ظاهرة الحرب ومبرراتها، ودوافعها، وملابساتها الفعلية سواء من حيث تعريفها ومفهومها، وأنماطها، أو من حيث الآليات الدافعة إليها والفاعلة فيها• القائمون بالحرب، في كل المراحل التاريخية، يتصورون أنهم يحملون مشروعا أخلاقيا، يدافعون عنه، وينشرونه بكل الوسائل، ومن ثمة يكتسبون مشروعية الفعل الذي يقوم به، ويستخدمون في سبيل تحقيق ذلك، كل الوسائل والأدوات• الحرب في نظر أصحابها عمل شرعي شريف يحمل مشروعا• حضاريا يرتبط بالقيم الأخلاقية سواء المبادر بالحرب، أو الذي فرضت عليه الحرب، فهذا الأخير يحارب دفاعا عن النفس، وبالتالي فهو صاحب حق وعمله يدخل ضمن نطاق الدفاع الشرعي عن النفس، فيُظهر القيم، كالتضحية والشجاعة والفداء• والمبادر بالحرب هو كذلك يرى أن الواجب الأخلاقي يحتم عليه تبليغ " رسالته الحضارية " إلى الغير وتخليصه من " الكفر " أو " التوحش " وينقله إلى " الإيمان " أو " التمدن "، وبالتالي فإن الكل صاحب حق• حالة السلم لا تتحقق قبل أن يعي الإنسان قيمة وجوده، فالإنسان كائن يعرف بكونه: حيوان عاقل، هذا التعريف هو التعريف الصحيح للإنسان لأنه تعريف جامع ومانع والتعريف الجامع المانع هو الذي يكون بالجنس القريب والفصل النوعي، وأقرب جنس إلى الإنسان هو الحيوان، لكن ما يفصل، (الفصل النوعي)، الإنسان عن الحيوان هو قدرة إدراك الأمور، وتوقع المخاطر، والشعور بالأخر، واحترامه ومراعاة حقوقه، والقدرة على تجاوز الحاضر، بلذاته الأنية، والتطلع إلى المستقبل، وتشييده على حذف أخطاء الماضي، هذه الخاصية هي ما نسميها بالعقل• ولا توجد عند غيره• إذن العقل هو الخاصية التي تفصل الإنسان عن أقرب كائن إليه وعليه حيث يوجد العقل يوجد الإنسان، وحيث يغيب العقل يغيب الإنسان، وبالتالي فكل ما يلغي العقل في السلوك الفردي أو الإجتماعي أو السياسي يعتبر عملا منبوذا يجب الإبتعاد عنه للحفاظ على القيمة الحقيقية للإنسان وتحقيق إنسانيته• ولذلك فإن الحرب في جوهرها تمثل خروج الإنسان عن طبيعته العاقلة، لأن الحرب عنف، والعنف إنفعال، يتخذ سمة اللامعقول، والخروج عن الطبيعة• وفي هذا يرى كارل بوبر في كتابه (يوتوبيا العنف) > العقل هو النقيض المباشر لأية وسيلة من وسائل العنف والقوة < وهذا لأن العنف في كل أشكاله، هو خروج عن الطبيعة البشرية التي هي العقل• فالعنف يظهر حين يغيب العقل، أو يعجز عن الإقناع، أي حين يفشل في ممارسة نشاطه الأساسي، وهو الإحاطة بالأشياء، وإدراك أبعادها ونتائجها• كما يظهر العنف عندما يعجز العقل على حل الخلافات القائمة بين الأفراد والجماعات و••• الحضارات وعندما يغيب الحوار، ويعجز العقل على تحديد الضوابط والآليات التي يحتكم إليها، عند الإختلاف، يسود منطف القوة، بكل أشكاله، ومستوياته، ويصبح هذا المنطق هو الأداة التي تفصل في كل النزاعات والخصومات• العنف آلة غير واعية، تدمر كل ما يبنيه الإنسان من حيث هو كائن عاقل، وتخرجه من طبيعته إلى عالم أدنى منه، وتدفع الغير إلى الخروج من هذه الطبيعة• لا يمكن أن تتحقق إنسانية الإنسان* إلا إذا توقف الصراع وزال العنف، ولكي يحدث هذا يجب أن نحاول إلغاءه من أنفسنا، فالتحول الداخلي هو الذي يقود الفعل الخارجي، وهذا التحول الداخلي ليس استقالة من العمل الخارجي، وليس عزلة، عن الوجود الإنساني الفعال، وإنما هو وعي الذات لذاتها ولتهوراتها• لا يمكن القيام بعمل سليم إلا عندما يكون ثمة تفكير سليم، ولا وجود لهذا التفكير السليم من غير معرفة طبيعة الدوافع التي تجعل الإنسان يقوم بهذا السلوك أو ذاك أو يصدر هذا القرار أو ذاك أو يتخذ هذا الموقف دون ذاك، وإدراك طبيعة هذه الدوافع لا يمكن أن يحصل إلا إذا تعرف الإنسان على عالمه النفسي، ذلك العالم الفسيح، الذي يحتوي على مغارات عجيبة تختبئ فيها الدوافع الفطرية، من طبيعة بشرية محبة للتسلط والتفوق، تحتاج إلى ترويض العقل وسقلها بما يخدم الإنسان كما تختبئ فيها مكبوتات التاريخ، التي تحرك الأفراد، والجماعات والشعوب وتدفعهم من مواقع لا شعورية نحو الصراع، واستخدام القوة مع الآخر، لتتحقق هذه المكبوتات بطرق ملتوية• تارة بإيهام الفرد بأن الآخر استولى على حقوقه فتدفعه إلى محاربته لإستردادها، وتارة أخرى، توهمه بأن السماء كلفته بتبليغ رسالة معينة إلى الآخرين، ومن ثمة فهو الوصي عليهم، وتارة توهمه بأن العالم يحتاج إلى مجموعة مبادئ تسيره وهو الوحيد الذي يملك هذه المبادئ والقيم، ومن ثمة فهو الوحيد الذي يحق له قيادة العالم وتسييره• فيتعلق الأفراد، في سلوكهم الإجتماعي والسياسي بحب التملك والسيطرة، ويصارعون من أجل التمسك بالسلطة والمال، والأملاك، والجاه• وفي كل هذه الحالات لا يدركون أن جهلهم بطبيعة حياتهم النفسية، هو الذي يحولهم إلى كائنات متصارعة، وأن جهلهم بطبيعة حياتهم الإجتماعية والنفسية معا هو الذي يجعلهم بيادق في يد أوهامهم• إذ تحقيق السلم يتطلب إلغاء ملكية الحقيقة المطلقة، فالحقيقة ليست في حيازة أحد، وكما يقول " أدونيس" إن إعتقاد الإنسان أنه يملك الحقيقة هو مصدر كل قمع• فهذا الإعتقاد يعتقل العقل، عقل الذات، وعقل الآخر بفرض تصور الذات على الآخر بالقوة، وهو طغيان وتسلط وإرهاب•

الحرب ذات أبعاد ايديولوجية، يحركها منطق فرض الأفكار والتصورات بالقوة، ففي الحرب يتجه كل طرف إلى الهجوم على الآخر، لأن هذا الآخر رفض ما يطرح عليه من ثقافة أو أفكار أو عقائد أو تصورات يراها هذا الطرف أو ذاك استراتيجية تحقق مصالحه• وإذا فشل في تحقيق هذه الاستراتيجية وفي فرض ايديولوجية بالقوة طالب بالسلم• التاريخ يثبت أنه لم توجد أمة من الأمم كانت في موقع قوة ولم تغز جرانها ولم تبحث عن نفوذ خارج حدودها كما أن التاريخ يثبت أنه لم توجد أمة من الأمم، كانت في موقع قوة ومركز قرار وطالبت بالسلم، ونادت به• وإن حصل هذا فإن ذلك يكون على طرقيتها وعل مقاسها ويكون مطابقا لمفاهيمها وآلياتها الذهنية والثقافية، فالسلم التي تطالب بها أمريكا اليوم، هي ضرورة خضوع كل العالم لإرادتها وهيمنتها، وخدمة مصالحها وخارج هذا يعتبر إرهابا وتوحشا وتخلفا، تجب محاربته، وملاحقته أينما كان؟ إذا كان صناع الحروب يعلمون جيدا كيفية إنطلاقها والتحضير لها والتخطيط لبدايتها، فإنهم لا يعلمون مآلها، ولا يتحكمون في دواليبها ومصيرها• رغم أنهم يتوقعون بعض نتائجها• لكن الحروب تخدع دائما أصحابها لأنها تبدأ دائما صغيرة ثم تكبر فتتجاوز في كبرها قدرة صانعيها فهي تشبه كرة الثلج الساطعة من أعلى قمة الجبل، بمقدار ما تزيد في سرعتها بمقدار ما يكبر حجمها وبمقدار ما يكبر حجمها يصعب إيقافها• إن الحرب الدائرة اليوم، حول ما يسمى بالإرهاب، أفرزت الكثير من النظريات التي تفسر الظاهرة فبعضها يفسر ظهور الإرهاب بإنتشار الفقر والبؤس والحرمان، والتهميش في المجتمعات التي تصنع الظاهرة• وبعضها الآخر يفسر الظاهرة بطبيعة الأفكار والمعتقدات التي تدفع معتنقيها إلى الصراع والقتال والعنف، وبعضها الآخر يفسرها بغياب الديمقراطية وتعطش الأفراد إلى ممارسة الفعل السياسي والمشاركة في صنع قراراته• هذه النظريات لا تبتعد كثيرا عن حقيقة الظاهرة، غير أنني أميل إلى الفرضية القائلة بـ : لعبة المصالح"• فالصراع والعنف، والإرهاب ليس وليد ظروف إجتماعية إقتصادية، رغم أن هذه أرضيات خصبة ينموا فيها العنف والإرهاب، إلا أن الحقل ليس البذرة والبذرة ليست هي الحقل• والواقع يؤكد أن في كثير من الحالات تتوفر هذه الشروط ولا نرى الظاهرة• أي توفر الحقل الخصب وغياب البذرة لا يسمح بظهور النبتة• كما أن الإرهاب وإن كان مرتبطا بالفكار والمعتقدات التي تدفع صاحبها إلى القتل، والعنف، والإرهاب، إلا أن المعتقدات تحتاج هي بدورها إلى عدة عوامل حتى تعشعش في ذهن صاحبها، كما أن تعطش الأفراد إلى ممارسة السلطة، والمشاركة السياسية، ليس عاملا مهما، لأن الذي يحرك الأفراد نحو هذا التعطش، هو الحرمان من الإمتيازات الإقتصادية والإجتماعية، وهذا يؤول إلى العامل الأول، الذي سبق وأن ذكرنا ضعف إحتماله• إن الفرضية الأقرب إلى الحقيقة في نظري، هي : أن الإرهاب برتبط إرتباطا عضويا بصراع مصالح، تحركه دوائر تعمل وفق إستراتيجيا وآليات تمت برمجتها، وتسييرها بدقة وإحكام• وأهداف مخطط لها مسبقا• تنفذه أيادي تعيش في وسط حقوق الإرهاب هي: الفقر والبؤس، والغبن، والإرهاق الإجتماعي• هذه الأيادي يسهل، بحكم طبيعة ظروفها، تدجينها والتحكم في آلياتها الذهنية وطرق تفكيرها، وفي صنع قراراتها، ومن ثمة، تصبح دمى في أيدي أصحاب المصالح، ومافيا المال، الذين يترابطون فيما بينهم في دوائر تتعدى حدود الوطن الواحد، أو الدين الواحد، أو المذهب الواحد، أو اللغة الواحدة، لأن مصالحهم واحدة• فهم جماعة واحدة تملك ثروات، غير مقدرة، وغير محددة، وتتنامى في شكل خلايا سرطانية، كلما زادت ثرواتهم، زادت سيطرتهم، وكلما زادت سيطرتهم، زاد نفوذهم، وكلما زادت نفوذهم، زادت مصالحهم، ولذلك فإن في اعتقادهم أن وجودهم يتحدد بمقدار سيطرتهم على الأخر، مهما كان هذا الآخر• ويتحدد كذلك بمقدار ما تنهب ثروات هذا الآخر• ولا يشفع دين، أو عقيدة، أو وطن، أولغة، أوجنس، هذا الاعتقاد يحكمه بناء نفسي معقد تتداخل فيه مجموعة من الشروط النفسية، ليس الآن مجال شرحها*• وبالتالي فإن كل من يقف في طريقهم، أو يعطل مصالحهم يضرب، أينما كان، وفي أية منطقة من عالم كان• إذن الإرهاب ميكانيزم دقيق يسير وفق استراتيجيات معينة ووفق أهداف محددة تشرف عليه دوائر منظمة، وتنفذه أيادي من الوسط الذي يزرع فيه هذا الإرهاب، بحكم العوامل الإجتماعية، التي ذكرناها سابقا، ومن ثمة فالإرهاب بذرة تزرع في حقل ملائم• البذرة هي صراع المصالح ودوائر السياسة والمال، والحقل هو الجوع والفقر والبؤس والحرمان، وروح الإنتقام الاجتماعي والإنهيار النفسي، الحقل دون بذرة لا ينتج والبذرة دون حقل ووسط ملائم لا تنمو، وفي غياب أحدهما أو كليهما يغيب الإرهاب• وعلى هذا الأساس نقصي الفرضية القائلة بأن محاربة الإرهاب تتم بالطرق الأمنية ومتابعة الجماعات الإرهابية في الجبال والمعاقل، والزج بهم في السجون والمحتشدات، ومن الخطأ الإعتقاد أن استئصال الإرهاب يتم بالعنف المضاد وبالخطط الأمنية الصارمة، لأن هذه التصورات ثبت فشلها في الميدان، وثبت أنه من الصعب التحكم في النتائج التي تؤول إليها هذه العمليات• محاربة الإرهاب لا يمكن أن تقوم به دولة بمفردها أو مجتمعا بمفرده فما دام مرتبطا بصراع مصالح، وهذا الأخير يرتبط بعملية توزيع الثروة في العالم فإن محاربة الإرهاب عملية معقدة تتداخل خيوطها في شبكة يصعب التحكم فيها• وفك خيوط هذه الشبكة لا يمكن أن يتم إلا إذا تم إقناع هذه الأطراف المتصارعة أن الحقيقة ليست فيما يتصورون ويعتقدون وأن الخير ليس فيما يسعون إليه، أو ما يقومون به هو تدمير للعالم الذي هم جزء منه، وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا تغير بناؤهم الذهني وتغيرت طرائق تفكيرهم وآلياتهم الاستدلالية• وعلى هذا الأساس فإن السلم العالمي، مرهونة 1- بتطور العلوم الإنسانية، وعلوم المنطق، التي تسمح لنا لإحاطة بأغوار النفس البشرية، وتسمح لنا معرفة الشروط والعوامل التي تتحكم في البناء النفسي والاجتماعي، وتسمح لنا أن نعرف معيار الحقيقة، ومقياس الخطأ والصواب، وتسمح لنا كذلك أن نستمع إلى آراء الآخرين، ونفترض فيها إمكانية الصدق التي نعطيها لأرائنا ونفترض إمكانية الخطأ، في تصوراتنا مثلما نفترضها في آراء غيرنا• 2- المراجعة المستمرة لمبادئ التفكير، ونقد الخطابات الجاهزة المشحونة بالعاطفة والانفعال التي تعتقل العقل وتدجن صاحبه وتلقي به في عالم السلوك الحيواني الذي تحركه الغريزة ولا مكان فيه للآخر هذه المراجعة التي تعبر عن أعلى مستويات المعقولية، حيث يدرك العقل أخطاءه ويعمل على تصحيحها ويخرج من القوقعة التي سجن نفسه فيها• 3- يجب أن يتسع ذهن كل الطراف إلى وجود الآخرين، فنعامله مثلما نريد أن يعاملنا، وأن السعادة الحقيقية لا تكمن في مقدار الأذى الذي نلحقه بالآخرين، كما أنها لا تكمن في مقدار ما نأخذه من الغير• وإنما تكمن في ما نعطيه لهذا الآخر وما نعطيه لهذا الآخر حتما سيعود إلينا، ما دام هذا العطاء المتبادل قاعدة في السلوك الاجتماعي والسياسي• 4- ضرورة توازن المصالح : المصلحة الحقيقية للكائن البشري هي الحفاظ على مجاله الحيوي والمجال الحيوي للإنسان هو الطبيعة وما تحتويه من ثروات، وما دامت هذه الثروات موجودة بالفعل، أو بالقوة، في الطبيعة فإن توزيعها يجب أن يكون بحسب العمل الذي نقدمه إلى الطبيعة وخدمة ما تحتويه هذه الطبيعة من: الإنسان، الحيوانت وكل الفضاء البيولوجي والفيزيائي• وعليه فإن تمركز الثروة في يد مجموعة بشرية وحرمان باقي أفراد العالم من هذه الثروة، يعتبر ضررا بالطبيعة ما دام يضر الإنسان الذي هو جزء من هذه الطبيعة• وبالتالي فمصالح الأفراد، في جوهرها، واحدة• 5- ربط الحق بالواجب لا بالقوة: عندما يصل وعي الإنسان إلى مستوى التنازل الطوعي عن استخدام قوته في عرض أفكاره وتصوراته• هذا التنازل ليس بالمفهوم الذي يعرضه " توماس هوبز" من أن الإنسان يتنازل عن حقوقه الطبيعية بدافع اللمصلحة الخاصة وبدافع الخوف من مواجهة مخاطر القوة باعتبار أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان• كما أن هذا التنازل ليس بالمفهوم الذي يعرضه جون جاك روسو من أن الإنسان خير بطبعه وما الشر إلا حالة عرضية تكونت بفعل الحركة التاريخية للإنسان الاجتماعي• وإنما هذا التنازل يكون عن طريق بلوغ العقل مستوى من المعقولية يدرك من خلالها أن مصلحته تكمن في احترام مصلحة غيره ومن ثمة ما هو حق له، هو حق كذلك لغيره• 6- الحق في الاختلاف : عندما يصل وعي الإنسان، إلى أنه من حق الآخر، أن يختلف معي، في الأفكار، والآراء، والتصورات، بحكم أن هذه المواضيع يصدر فيها العقل أحكامه اعتمادا على آليات ذهنية وقواعد معرفية وأدوات فكرية، بتغيرها تتغير هذه الأحكام، وبتشابهها تتشابه عندما يصل وعي الإنسان إلى مستوى هذا الإدراك، يعرف أنه من حق الآخر، الذي لا يشاركه في هذه الآليات والقواعد المعرفية، والأدوات الفكرية، أن تكون له أفكار أخرى، وآراء أخرى، وتصورات أخرى، وثقافة أخرى• كيف يتم الوصول إلى كل هذا؟• وكيف يتفق عموم الأفراد والمجتمعات حول هذا؟• وماهي الأطراف الفاعلة في تحقيق هذا المشروع؟• ليس من السهل تقديم إجابة سريعة على هذه الأسئلة، لالصعوبتها ولكن لصعوبة تحديد من يكلف بتقديم الإجابة وبالتالي عرضها على المجتمع الدولي المتصارع• لكن لا مفر من البحث والتنقيب من أجل تحقيق الإستقرار والسلم في هذا العالم• عندما حاولت الإجابة على هذه الأسئلة، وبحثت داخل أعماقي الثقافية وداخل بنائي العقائدي، وداخل أغوار تاريخي، وداخل كياني التراثي وجدت النصوص التالية• > وكرمنا بني أدم< •> لست عليهم بمصيطر< • > ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين< • > رأينا صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب< •• > وإن جنحوا للسلم فاجنح لها< • كما وجدت داخل هذه العماق الثقافية والعقائدية النصوص التالية : > فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم< •> أمرت بمقاتلة المشركين إلى أن يقولوا نشهد أن لا إله إلا الله< • هنا عرفت أن ثقافتي وعقيدتي، بمقدار ما تدفعني إلى الحرب، تدفعني إلى السلم، وبمقدار ما تجعلني أكره الآخر، تجعلني أحبه، وتبين لي بعد ذلك أن عقيدتي تسمح بوجود الآخر وتترك له مكانا في الوجود، إذا ما أعيد تأسيها وإعادة قراءة نصوصها وتأويلها بما يفرضه الحاضر، وما يتطلبه الصالح العام الذي، هو مبدأ في هذه الثقافة، وإذا ماوجدت عند الآخر الإستعداد نفسه في مراجعة ثقافته، ونيته الحقيقية في تحقيق السلم• وأنا إذا أراجع ثقافتي وأسعى إلى إعادة تأسيسها بما يتطلبه هذا الحاضر، فإنني لا أفعل ذلك إلا لأفسح المجال لغيري وأجعل له مكانا في ثقافتي وأخبره بأن مجال ذهني يتسع إلى غيري، فهل يفعل هو كذلك ؟• إذا كان بمقدوره ذلك يمكن أن نتفاءل بإحلال السلم ... وإلا فالطريق لا يزال طويلا

جميع الحقوق محفوظة لموقع بيت العرب @ www.arabshome.com

الاتصال بنا الصفحة الرئيسية راديو بيت العرب منتديات الحوار للأعلان الأعلى